المقدمة: لحظات صغيرة، آثار كبيرة
كنت طفلًا في المرحلة الابتدائية؛ المدرسة قريبة من البيت، والوقت في العطلة يختصره ريالان تقاسمان الصباح والظهيرة. تلك الريالات الصغيرة كانت، بالنسبة لي، نوعًا من الاستقلال: فُسحةٌ أتحكم بها، رغيفٌ ملفوف بورقة، جبنة، وابتسامة وقت الغداء. المدرسة كانت مختلطًا من جنسيات عديدة، وجوها عادي، هادئ، وجميل ببراءته.
كنت متفوقًا دراسيًا، وكنت أظن أن الدنيا لم تُؤذِني بعد — حتى جاءت فكرةٍ صغيرة، بسيطة، لكنها كانت شرارة لكل شيء: طباعة صور سيارات ملونة وبيعها داخل المدرسة. كانت الفكرة عملية ومبتكرة، ولم تكن تتطلب رأس مال كبير. بدأت أنا ورفيقي محمد هذه «التجارة المدرسية» بحماس أطفالٍ يريدون أن يكبروا بسرعة.
أولى خطوات «التجارة» — من طابعةٍ إلى طموحٍ كبير
بقيت الفكرة في رأسي، وقلت لنفسي: «إذا باعنا هذه الصور بثلاثة ريالات، فالأمر سيجلب دخلاً جيدًا بالنسبة لميزانية طفل.» طبعنا صورًا لسيارات فخمة — صورة جمس ملاصقة لحلم كل طفل — وبِعَت الورقة بثلاث ريالات. تزايد الإقبال، وتوسعنا رويدًا رويدًا. دور محمد كان ترويجًا — يمر على الفصول ويُعلن — وأنا كنت «الطابع» و«المستثمر»، فأنا أمتلك الطابعة وأفكر في طريقة لتوسيع النشاط.
جمعنا مالًا أوليًا، ثم قررت أن أكبرها: الفسحة وحدها لم تعد كافية. فكّرنا أن نشتري بضائع من الخارج (محلات الجملة) ونبيعها بسعرٍ أعلى قليلًا داخل المدرسة أو في الحديقة. وهنا بدأت الرحلة تأخذ مسارًا آخر — مسار يتقاطع فيه البراءة مع الخداع.
من الربح الصغير إلى قرار المخاطرة
في البداية اشتريت «شيءًا بسيطًا»: أوجدنا محلًا يبيعه بالجملة، وركبت مع عاملٍ في الطريق إلى هناك لأشتري بكيسين من الفشافيش. حملتهما، ووضعتهما في حقيبتي، وذهبت إلى المدرسة لأتركها؛ كنت أخطط أن أعيد حقيبتي فاضيَة في اليوم التالي حتى أملأها ببضائعٍ جديدة.
في اليوم التالي باع محمد الحقيبة كلها وجاب لي عشرة ريالات. أخذت منها رأس المال وسلمت محمد نصيبه. فرحت، ثم قررنا التوسع. لكن التوسع يعني مخاطرة: دخول سوقٍ أكبر، بيع في أماكن عامة، ووجود منافسة — المقصف المدرسي يشكل خطرًا لأنه يوفر نفس البضاعة وبسعرٍ مقارب.
الفكرة التالية كانت بيع الفشافيش في الحديقة عصرًا، حيث يكثر الزحام. اشترينا كميات كبيرة، وذهبنا بيومٍ حار، فرشنا بضاعتنا، وبدأ البيع. لقد دخلنا ربحًا طيبًا في أول يوم، لكن الأيام التي تلت كانت مختلفة: يومًا ما دخل مجموعة من الأطفال وقفوا يراقبون، ثم جاء الضرب... ثم السرقة.
لحظة التحول: الضربة والسرقة — أول درس قاسٍ
في الحديقة، بينما كنت أقف، جاء بعض الأولاد المعروفين عنهم بعض الشقاوة. بدأوا بالكلام، ثم أحدهم دفعتني، والآخر أمسك حقيبتي ورماها أرضًا، وانتهوا بأخذ ما فيها. كنت صغيرًا، وصراخي لم يجد آذانًا. ذهبت أبحث يومها عنهم فلم أجدهم؛ كان الجمع قد تفرقوا. المصيبة لم تكن خسارة الفسحة فحسب؛ المصيبة أن أحد أقرب أصدقائي — محمد — بدا أنه لم يهرع لمساعدتي، بل انحرفت في ذهني شكوك: هل له يد في هذا الأمر؟
تلك الشكوك لم تهدأ. عدت إلى البيت حزينًا، وفي داخلي تساؤلات لم تكن سهلة: من أبلغ عنّا؟ من يعرف أننا نبيع في الحديقة؟ كيف انكشف أمرنا؟ ولاحقًا، كيف سيُدار الموقف؟
التهمة تتصاعد: من الشبهة إلى المقصلة
في اليوم التالي، عادنا إلى المدرسة وكانت هناك حالة من التوتر: شيّدت الإدارة جمعًا من الطلاب داخل مكتب المدير، وبدأت التحقيقات حول «قضية تحطيم زجاجة سيارة الأستاذ». كانت هناك اتهامات، ورائحة شائعات تتطاير. سألوا عن مكان التواجد أثناء الفسحة، واستدعوني أنا وبعض الطلبة الآخرين. كان الضغط شديدًا، وكانت كل نظرة في المدرسة تحس بأنّها حكم.
الأمر الذي زاد الطين بلة أن اسمًا نقلَه أحدهم عنّي وصل إلى معلم اللغة الإنجليزية — المعلم الذي كان مشتعلًا بعاطفة زائدة ضد بعض الطلاب. بصفته أستاذ ابنٍ لمعلّمٍ وهو ذاوزع سلطة، صارت شكوكه فيّ مرتفعة. جابوا ليقيني على أنّني كاسر الزجاج، ولم يصدقوا أقوالي. الأستاذ نفسه لم يكن رجلًا لطيفًا؛ كان شخصية صارمة، ويبدو أنه يختار لحظاتًا ليثير فيها الخلاف برعونةٍ أزعجتني.
كنت أنتظر وقائع برهانية لكن حين سألوك مباشرةً داخل غرفة المدير، طلبوا مني الاعتراف خلال دقائق وإلا ستصل الشرطة. بصراحة، لم أجد نفسي إلا أصرخ: «لستُ أنا!» لكن الكلام حين يكون في مواجهة كومة من الشبهات يصبح كلمةً وحيدة وسط تسونامي. ثم حدث ما لم أتصوره: محمد — صديقي وشريكي في بيع الصور والفلوس — وقف وقال إنه كان هو كاسر الزجاج!
الخيانة الأكثر ألمًا: صديق الأمس يصبح شاهداً ضدك
شعرت بأن الأرض تهوي بي. محمد الذي شاركتُه أفكارًا وحسابات، الذي أعطيته نصف المكسب، الذي مرّرت له حقيبتي مرة، وقف أمام المدير وقال إنني الشخص الذي يسيء. كان ادعاءه مزدوجًا: إنه لم يخبر أنني أبيع داخل المدرسة فحسب، بل قال إنني ما كنت أحترم القواعد. بكلمةٍ واحدة حوّل شريكًا إلى شاهدٍ ومدِّعٍ وضد. شعرت بالخيانة كما لو أن سكينًا دخل صدري.
لم تتوقف الخيانة عند شهادةٍ بالكلام — بل امتدت إلى لحظاتٍ أخرى: في المستقبل، كان دائمًا يأخذ موقف الإدارة إن وُجهت مشكلة بيننا وبين أي شخص آخر. ومن هنا تعلمت درسًا لا يمحى: الثقة التي تُمنح بسهولة قد تُسحب بمنتهى السهولة أيضًا.
الانقلاب: المدير يقف مع الحق، والشرط يقفل القضية
بعد الكثير من التدوير والشهادات المتناقضة، دخل على الخط اسم واحدٍ رصينٌ: مدير المدرسة. كان الرجل واسع الصدر، ذا خبرة، ولا يحب ظلمه. أقنعته بأني لم أفعل شيئًا، وقدمت له شهادات، ووجد أن بعضًا من الذين وُصفوا بالمشتبه بهم لم تُسجل أسماؤهم، وأن الأسلوب الذي اتُبع في التحقيق كان تصعيديًا وغير موضوعيّ.
المدير — بعد تحقيقٍ دقيق — اختار أن يُؤمن بكلامنا كطلاب ضد ادعاءات إنسانٍ واحد. وفي اجتماعٍ علني أمام الطلاب، وقف المدير وأعطانا ثقةً نادرة: كرّمنا أمام الحضور، وقدم لكل منا بعض النقود كتحفيز واعتذار. وكأن المدرسة حقًا أرادت أن تصحح خطأً أخطأت فيه إدارة صغيرة.
لكن أثر الخيانة ظل في نفسي. كيف لصديقٍ أن ييأس منّي بهذه السرعة؟ كيف لأستاذٍ أن يفرّغ غضبه على طالب؟ كيف لتجربةٍ واحدة أن تُكوّن عقدةً طويلة الأمد؟
الألم في القلب: أثر تجربة وحيدة عمر طويل
بعد الحادث أصبحت علاقتي بالثقة متوترة. حين كبرت، دخلت مراحل الدراسة التالية، ونجحت في موادٍ كثيرة، إلا أن اللغة الإنجليزية — مادة الأستاذ الذي كسره قلبي — ظلت عقدةً. لم أستطع تجاوزها بسهولة. كلما واجهت قواعد أو أمثلة، تعود بي الذاكرة إلى الصفع والتهم. هذه أثر بسيط لكنه عميق: تجربة طفولة تتحول إلى خوفٍ من مادةٍ بكاملها.
وتعلمت كذلك دروسًا إنسانية: أن السلطة إن لم تُمارَ بطريقة عادلة تُفسد ما حولها؛ أن التلميذ وغيره يحتاجان مناهجًا تربوية تهدف لمعالجة النزاعات لا لتفجيرها؛ وأن الصداقة الحقيقية لا تُقاس بحجم المصالح المشتركة، بل بقدرتها على الوقوف وقت الشدة.
ماذا لو عدنا بالزمن؟ قرارات ونهايات
لو عاد الزمن، ماذا كنت سأفعل؟ ربما أتحلى بشجاعةٍ أكبر لأخبر محمد بعد الضربة مباشرةً: «لماذا لم تساعدني؟» وربما أضع ثقةً أقل في تعهدات من هم حولي. لكن النضج الحقيقي يأتي من قبول أن الإنسان يتعلم من خطاياه ومن خيانات الآخرين دون أن يبقى عبدًا لها.
وبالنسبة للمدرسة والأستاذ الذي حرمني من راحتي في مادة، فقد كانت النهاية أن الإدارة تصرّفت بصرامة: نُقل الأستاذ أو تم تغييره. وربما بعدها التقيتُ بأناسٍ علموني المادة بطريقة أفضل، أو ربما تعلّمتها بنفسي في الجامعة. لكن الأثر النفسي ظل.
العبر: ما الذي علّمتهني هذه القصة؟
أخي القارئ، لا أكتب لك هذا السرد لكي أشكي فحسب، بل لكي أشاركك درسًا نادرًا:
-
الثقة ثمينة ويجب توخيها بحكمة: لا أقول لك أن تكون حذرًا دائمًا؛ بل أن توازن بين العطاء والوقاية. الصداقات الحقيقية تُبنى عبر الأفعال لا الأقوال.
-
السلطة تحتاج رقابة وحكمة: المدرس أو المدير أو أي شخص في موقع قوة، إن لم يتحلَّ بإنصاف فقد يترك ندوبًا في نفوس طلابه. مدرسةٌ تُعلي من قيمة الاستماع والتفهم تُنشئ جيلًا أقوى.
-
التحقيق العادل أساس العدالة: القفز إلى الاستنتاجات السريعة وتشكيل عصابات اتهام يفسد بيئة التعلم. النظام القضائي حتى داخل المدرسة يجب أن يكون عادلًا ومنطقيًا.
-
التجارب المؤلمة قد تشكل عُقدًا — لكن يمكن حلها: تجربتي مع الإنجليزية لمت أن أقبلها وقتًا طويلًا، لكن مع الوعي والعمل يمكن تذويب العقدة؛ ليس بنسيان الماضي، بل بفهم مكونات الألم وتفكيكها.
-
الكرم الأخلاقي من المدير كان مفتاحًا للتصحيح: إن وقوف من هو أعلى لصالح الحق يداوي الكثير من الجراح. الثقة التي منحها لنا المدير استرجعت جزءًا من كرامتي كطفل.
خاتمة: قصة واحدة — صوتٌ لكل من نُكِسَت ثقته
هي قصة عن طفلٍ وخسارةِ حقيبة، لكنها في جوهرها نسيج من مواقفٍ إنسانية: الطمع، الخيانة، القوة، والعدل. ربما ستقول: «لماذا تؤثر لنا قصة طفولة إلى هذا الحد؟» لأننا نتشكل من البدايات الصغيرة. هذا الذي مررت به علمني أن أكون أرقّ مع من حولي، أن أتحرى العدل، وأن لا أتعامل مع الناس بمنطق الكراهية بعد خطأ واحد.
إن لكل واحدٍ منا «حديقة» تعرض فيها ما يملك من أحلام وموارد، وهناك من يسرقها بعنف، وهناك من يمد يد العون. فلنكن من الذين يمدون اليد، لا من الذين يصفّقون للضربة. ولو كان هناك درسٌ واحد أود أن تخرج به من هذه القصة فهو: «ثق، لكن بعينٍ مفتوحة؛ سامح، لكن لا تنسى؛ وتعلم أن تبني في نفسك مرآةً ترى الحقيقة من دون انحياز.»
إذا أعجبتك هذه الصيغة وتريدني أزيدها وأفصّلها أكثر — بحوارات داخلية، وتصوير مشاهد محددة (مثل وصف الحديقة وقت الحادث، الحوار بيني وبين محمد، جلسة المدير على المسرح)، أستطيع أن أطيل عليها وأحولها إلى نصّ أطول وأكثر روايةً وحوارًا. لكن إن رغبتها كما هي — قصة متكاملة في طابع سردي وتأملي — فقد انتهيت من سردها هنا.
قل لي إذا تبيها بالفصحى الصارمة أو أحولها أكثر إلى لهجة يوتيوبر القناة كما في السكريبت الأصلي — بس بصراحة، تراك هلكتني، خلني أطبخ لك أي شكل تبغاه 😄
السلام عليكم.