| شردنا من المدرسة وركبنا إسعاف😂🔥باب الطورايء النكبة ، قصص هروب |
في ركنٍ صغير من مدينة تضجّ بالصخب، حيث تتجاور المدارس والبيوت والمحال كأنها كُتبت في سطر واحد من حياة مزدحمة، كان هناك فصل دراسي يضجّ بالأحاديث أكثر مما يضجّ بالعلم، وفتيان في مقتبل المراهقة يرسمون خططًا للهرب لا من الحياة، بل من حصة الرياضيات أو من وجه معلم التاريخ الصارم.
كانوا يعتقدون أن الحرية تكمن خلف جدار المدرسة، وأن المغامرة يمكن أن تُختصر في قفزة، أو حبلٍ، أو فكرة مجنونة تولد بين ضحكات الرفاق.
في ذلك اليوم، جلس “الراوي” مع أخيه وبعض الأصدقاء بعد نهاية الحصة الثالثة، وقد بلغ منهم الملل حدّه الأقصى. الجو خانق، والمعلم غائب، والوقت يمرّ ببطء شديد. قال أحدهم بصوتٍ يقطر تمردًا:
«يا جماعة، طفشنا! لازم نهرب اليوم. نبغى نطلع من المدرسة بأي طريقة… بس تكون جديدة، ما حد يعرفها!»
هكذا وُلدت الشرارة. فكرة بسيطة، عبثية، لكنها كانت بالنسبة لهم خلاصًا مؤقتًا من نظامٍ يرونه قاسيًا.
وبينما أخذت العقول الصغيرة تتسابق في طرح الأفكار، خرج أحدهم — ذاك الذي يعرفه الجميع بغرابة أطواره — قائلاً بثقةٍ لا تشبه مستواه الدراسي:
«خلّوها عندي، عندي فكرة ما خطرَت على بال أحد!»
كانوا يعرفونه جيدًا، ذاك الفتى الذي رسب مرّتين لكنه يملك دهاءً فطريًا يجعلهم يترددون بين احترامه والخوف منه. “غبي دراسيًا، ذكي حياتيًا”، هكذا كانوا يصفونه.
اقترب منهم، خفّت الأصوات، وتجمّعت العيون حوله. قال:
«شفتوا شباك الفصل؟ من هناك نهرب.»
ساد الصمت لثوانٍ. أحدهم ظن أنه يمزح، آخر قال: «وش إحنا، عصافير؟» لكنّ صاحب الفكرة كان جادًا تمامًا. شرح لهم خطته وكأنها عملية إنقاذ سرّية:
«بكرة نجيب معنا حبل سميك. نربطه في الحديد اللي عند الشباك، وننزل واحد وراء الثاني. ترى الفصل في الدور الأول، يعني المسافة قصيرة، وما راح يشوفنا أحد.»
ساد الحماس المكان. لم يكن أحد منهم قد جرّب الهروب من قبل، لكن فكرة النزول من الشباك بحبل، كأبطال الأفلام، كانت كافية لتشعل فيهم الحماسة. كانت المغامرة بالنسبة لهم ليست مجرّد هروب، بل إثبات وجود، وتمرد صامت على نظامٍ لم يفهموه بعد.
وجاء اليوم الموعود.
أحدهم أحضر الحبل، لكنه لم يكن سميكًا كما اتفقوا. حبل متوسط، لا هو قويّ ولا ضعيف، لكنه بدا كافيًا في أعينهم.
ربطوه في حديدة قديمة بارزة من الجدار — لم يعرف أحد أصلها، لكن لا وقت للأسئلة.
قالوا مازحين: «هي كانت حديدة بزبوز؟ ما ندري! المهم نربط وننزل.»
ضحكوا جميعًا، ضحكًا يخفي خوفًا عميقًا في قلوبهم الصغيرة.
بدأت لحظة الحقيقة.
«مين أول واحد بينزل؟»
ساد الصمت. العيون تتبادل النظرات، كلٌّ ينتظر الآخر ليبدأ.
لكنّ البطل غير المتوَّج، صاحب الفكرة نفسه، قال بشجاعة:
«أنا أول واحد!»
تسلّق الشباك، أمسك بالحبل، وبدأ ينزل ببطء. كانت خطواته حذرة، كأنها رقصة بين الجرأة والخوف. الهواء يلامس وجهه، والأرض تقترب. وعندما وطئت قدماه التراب، رفع رأسه نحو زملائه بنظرة المنتصر:
«شفتوا؟ سهلة! يلا نزلوا!»
تتابع النزول واحدًا تلو الآخر، وكلٌّ يشعر أنه أنجز بطولة صغيرة. حتى جاء دور “فيصل”، الفتى الخجول الذي لم يجرّب الهروب من قبل. كان متوترًا إلى حدٍّ كبير، ويداه ترتجفان وهو يمسك بالحبل.
نزل قليلاً، ثم صرخ فجأة:
«آه!»
كان الحبل يحرق راحتيه من الاحتكاك، أفلت يديه بلا وعي، وسقط سقوطًا سريعًا نحو الأرض. لم يسمع أحد سوى صوت ارتطامٍ مكتوم، تلاه صمت ثقيل.
هرعوا نحوه، وجوههم ممتقعة، والندم يتسرّب إلى قلوبهم كالماء البارد.
«فيصل! قوم يا فيصل!»
لكنّ فيصل لم يتحرك.
تجمّدوا لحظة، ثم اندفع الراوي إلى باب المدرسة الرئيسي، يطرق الباب بجنون. خرج الحارس وهو يزمجر:
«وش فيك؟ ما خلص الطابور قبل شوي؟»
لكنّ الطفل لم يجبه، ركض نحو مكتب المدير وهو يلهث:
«أستاذ! طالب طاح من الشباك!»
خرج المدير مسرعًا، تبعته خطواته الغاضبة، والذعر يعلو وجهه. وصلوا إلى حيث يرقد فيصل على الأرض، بدأ يحاول فتح عينيه. لم يكن مصابًا بجروح خطيرة، لكن الصدمة كانت كفيلة بأن تحفر الموقف في ذاكرة الجميع.
«مين رمى نفسك؟» صرخ المدير.
«وكيف وصلت هنا؟ والحبل؟ من وين هذا الحبل؟»
لكن لا أحد أجاب. كانت العيون تتجنب النظر إليه، وكأن الصمت هو اللغة الوحيدة الممكنة.
استُدعيت سيارة الإسعاف، وجاء المسعفون. لم يكن فيصل بحاجة إلى مستشفى، فقط بعض اللصقات وراحة ليومين.
لكن الفضيحة لم تنتهِ هناك.
يوم السبت، استُدعي أولياء الأمور جميعًا. جلسوا صفًا واحدًا أمام المدير، ووجوههم تشتعل بالغضب والحرج. قال المدير بنبرة رسمية صارمة:
«أبناؤكم حاولوا الهروب من المدرسة باستخدام حبل!»
كان المشهد كاريكاتيريًا بكل ما فيه، لولا الوجوه المتجهمة والعيون التي تفيض توبيخًا.
ولمّا عاد الراوي إلى البيت، نال نصيبه من العقاب. كفوف متتابعة كانت بمثابة “تصحيح مسار تربوي”، لكنها أيضًا ختمت فصلًا من فصول الطفولة المتهورة.
مرّت الأيام، ولم تنتهِ مغامراتهم.
ذات مرة، قرروا الهرب مجددًا — لكن هذه المرة من باب الطوارئ.
قال أحدهم بثقة: «ما نبغى فلسفة ولا خطط، باب الطوارئ هنا. نفتح ونطلع، وخلاص.»
كانت الخطة بسيطة لدرجة السذاجة، لكنها بدت ذكية مقارنة بحبلٍ سقط بسببه زميلهم.
غير أن باب الطوارئ لم يكن بعيدًا عن غرفة المدرّسين، التي كانت بلا باب، مما يعني أن أي حركة مريبة ستُكتشف فورًا.
قال أحدهم: «لازم نعدّي من عندهم بهدوء، واحد واحد.»
لكن بين المجموعة كان هناك فتى بدين، معروف بثقله وبطء حركته. فكروا قليلاً، ثم قال الراوي بفطنة:
«خذ كتاب، سو نفسك تراجع، وامشِ كأنك طالب مجتهد رايح وجاي. لا يشكون فيك.»
نفّذ الولد الخطة بحذافيرها. كان يروح ويجي من أمام غرفة المدرّسين، ممسكًا بكتاب، متصنعًا التركيز. حتى إن أحد المعلمين ظنه طالبًا مجتهدًا. وفي إحدى المرات، واصل طريقه إلى باب الطوارئ… ولم يعد.
هرب بنجاح.
بقية الرفاق تبعوه بخفة القطط، حتى كادوا يصلون إلى الحرية، لولا أن القدر أعدّ لهم مفاجأة جديدة:
ما إن فتحوا الباب حتى ظهر أمامهم “أستاذ العلوم”، واقفًا بارتياح، يدخّن سيجارته!
تجمّدوا جميعًا في أماكنهم. سألهم بنبرة حادة:
«وش جابكم هنا؟»
أجابه أحدهم ببراءة مصطنعة:
«إحنا طالعين نشمّ هوا بس يا أستاذ!»
كادت الجملة أن تسقط الأستاذ أرضًا من الضحك، لكنها سقطت على رؤوسهم كالصاعقة.
«تشمّون هوا عند باب الطوارئ؟ حوش المدرسة ما فيه أكسجين مثلاً؟!»
لم ينتظر إجابة. سحبهم من آذانهم، واحدًا تلو الآخر، إلى مكتب الوكيل.
وهناك وقف الأستاذ يخبر الوكيل بتشفٍّ ساخر:
«هذولا يا أستاذ أحمد، طالعين يشمّون هوا… في باب الطوارئ!»
تلك كانت مغامرات الطفولة، لكنها في عمقها أكثر من مجرد قصص مضحكة.
هي مرآة لجيلٍ يختبر حدوده، يحاول أن يعرف معنى الحرية بطريقته الخاصة، وإن كانت طريقته خاطئة.
الهروب من المدرسة لم يكن كرهًا للعلم، بل تمردًا على القيود التي لم يفهمها بعد.
كل طفل فيهم كان يبحث عن نفسه، عن صوته، عن مكانه في عالمٍ لا يتيح له كثيرًا من القرار.
ولعل أجمل ما في تلك الذكريات أنها اليوم تُروى بابتسامة.
فكل “حبل” علّقوه يومًا في شباك فصلٍ ضيق، صار خيطًا من الحنين في نسيج الذاكرة.
ضحكوا يومًا من قلوبهم، وارتكبوا حماقات صغيرة لم تؤذِ أحدًا، لكنها صنعت منهم رجالًا يعرفون معنى المغامرة وحدودها.
ومن تلك المغامرات خرجوا لا كطلابٍ هاربين من المدرسة، بل كبشرٍ بدأوا يتعلمون الهروب من الخوف، من الجمود، ومن فكرة أن الخطأ نهاية العالم.
ربما لم يدركوا يومها أن الحياة كلها مدرسة، وأن الشجاعة لا تُقاس بالحبال ولا بالقفز من النوافذ، بل بالقدرة على الاعتراف بأننا أخطأنا يومًا، وأننا تعلمنا من ذلك.
تلك القصص التي يرويها “أمجد” و“سلطان” اليوم في المقاطع والذكريات، هي في حقيقتها رسائل دفينة من جيلٍ ضاحك باكٍ، عاش البراءة والخطر في آنٍ واحد.
ضحكوا على أنفسهم كما ضحكت الحياة عليهم، لكنهم ظلّوا أبناء تلك اللحظة التي تجمع بين الخوف والجرأة، بين الطيش والحكمة.
وفي نهاية الحكاية، لا يبقى من “مغامرة الحبل” سوى صورة ذهنية عميقة:
مجموعة من الفتيان يحاولون أن يكسروا حدود الجدران، غير مدركين أن الحبس الحقيقي لم يكن في المدرسة، بل في عقولهم الصغيرة التي لم تفهم بعد أن الحرية لا تُسرق، بل تُكتسب بالنضج والمعرفة.
وهكذا، حين تروى القصة اليوم بعد أعوام طويلة، لا تُروى كفضيحة، ولا كدرس تأديبي، بل كفصلٍ من فصول الحياة التي تجعلنا نبتسم ونحن نتذكّر:
أننا كنا يومًا أطفالًا صدّقنا أن نافذة الصف يمكن أن تقودنا إلى العالم.