آخر الأخبار

كيف صنعنا الانترنت ؟

كيف صنعنا الانترنت ؟

 في تاريخ البشرية الطويل، كانت الحروبُ دائمًا وجهًا مظلمًا للحضارة، لكنها في الوقت نفسه كانت رحمًا ولودًا لاختراعات غيّرت مجرى العالم.

فكلما اشتعلت نيران الصراع، اشتعل معها عقل الإنسان باحثًا عن وسائل للبقاء، وأساليب للتفوّق، وأدواتٍ تحسم المعركة لصالحه.
لكنّ المفارقة الكبرى أن ما وُلد من رحم الدمار والدماء، أصبح فيما بعد أساسًا لحياةٍ مدنية هادئة، تُدار فيها الأعمال، وتُبنى الأمم، وتُختصر المسافات.
من ساحة الحرب خرجت الساعة التي تزين معاصمنا، والأشعة السينية التي تنقذ الأرواح، والكمبيوتر الذي يوجّه عالمنا، وصولًا إلى الإنترنت الذي جعل الكرة الأرضية قرية صغيرة متصلة ببعضها في كل لحظة.

رحلة الإنترنت لم تبدأ في مختبر جامعي أو مكتب علمي متطور، بل بدأت وسط دخان الحرب العالمية وسباق التسلح بين القوى العظمى.
إنها حكاية الإنسان الذي حاول أن يربط جنوده في ساحة القتال، فانتهى به الأمر إلى أن يربط قلوب البشر في أنحاء الكوكب.
في هذا المقال الطويل سنسافر عبر الزمن، من خنادق الحرب العالمية الأولى إلى شبكات الجيل الخامس، لنرى كيف أن كل رصاصةٍ أُطلقت، وكل تجربةٍ عسكرية، كانت خطوة نحو اختراعٍ جعل حياتنا أسهل، وأحيانًا… أكثر تعقيدًا.


الفصل الأول: الحرب العالمية الأولى — ساعة اليد وأشعة الحياة

الحرب العالمية الأولى

الحرب العالمية الأولى — ساعة اليد وأشعة الحياة


كانت الحرب العالمية الأولى (1914–1918) أول اختبار حقيقي للعصر الصناعي.
ولأول مرة في التاريخ، دخلت المصانع سباقًا لا لصنع السلع، بل لصنع أدوات الموت.
لكن في خضم هذا الجنون، ظهرت ابتكارات غيرت حياة الإنسان اليومية بعد الحرب.

ساعة اليد: من الخندق إلى الموضة

قبل الحرب، كانت ساعات الجيب رمزًا للأناقة والهيبة.
لكن الجنود في الخنادق لم يكن لديهم وقت لإخراج الساعة من الجيب كل مرة، فقاموا بربطها على المعصم.
كانت تلك فكرة بسيطة لكنها ثورية، لأنها نقلت الساعة من “أداة وقت” إلى “جزء من الجسد”.
بعد الحرب، تبنّى المدنيون الفكرة، وتحولت ساعة اليد إلى قطعة ضرورية في كل يد.
اختراعٌ وُلد من الحرب… وعاش في السلام.

أقنعة الغاز: حماية من الموت… وبداية الهندسة الكيميائية الحديثة

مع ظهور الغازات السامة في المعارك، اضطر العلماء لتصميم أقنعة تحمي الجنود من الاختناق.
لكن تلك الأقنعة كانت أكثر من مجرد أدوات نجاة؛ فقد دفعت الكيمياء التطبيقية إلى الأمام، وولّدت مجالات جديدة مثل “هندسة المواد” و“المرشحات النانوية”.
ما صُمّم لحماية الأرواح في الحرب، أصبح لاحقًا يُستخدم في المستشفيات والمصانع وحتى في أقنعة الجائحة الحديثة.

الأشعة السينية: من مختبر ماري كوري إلى ميادين الحرب

في الحرب الأولى، تطوّعت ماري كوري لتقديم اختراعها الثوري — أجهزة الأشعة السينية المتنقلة.
كانت تركبها على شاحنات تُعرف باسم “السيارات الإشعاعية”، وتنتقل بها بين الجبهات لتحديد مواضع الرصاص والشظايا في أجساد الجرحى.
بهذا العمل، أنقذت كوري آلاف الأرواح، وأثبتت أن التكنولوجيا ليست حكرًا على الحرب، بل يمكنها أن تكون أداة للرحمة أيضًا.


الفصل الثاني: الحرب العالمية الثانية — الرادار، الكمبيوتر، والذرة

الحرب العالمية الثانية
الحرب العالمية الثانية — الرادار، الكمبيوتر، والذرة

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939–1945)، دخل العالم عصر العلم الموجّه.
الاختراعات لم تعد وليدة المصادفة، بل نتيجة أبحاث مكثفة تقودها حكومات وجيوش.
ومن رحم هذا الصراع خرجت ثلاثة من أهم الإنجازات في التاريخ: الرادار، الكمبيوتر، والطاقة النووية.

الرادار: العيون التي ترى ما لا يُرى

الرادار غيّر مجرى الحرب.
استطاعت بريطانيا بفضله أن تكتشف الطائرات الألمانية قبل وصولها، مما منحها ميزة دفاعية حاسمة في “معركة بريطانيا”.
لكن ما لم يتوقعه أحد، أن تلك التقنية ستتحول لاحقًا إلى أداة مدنية تُستخدم في مراقبة الطقس، والملاحة الجوية، وحتى في السيارات ذاتية القيادة.

الكمبيوتر: من آلة كسر الشيفرة إلى دماغ العالم

في قبوٍ مظلم في إنجلترا، جلس شاب يُدعى آلان تورينغ يحاول فك شيفرات آلة “إنيغما” الألمانية.
ابتكر جهازًا حسابيًا قادرًا على معالجة المعلومات بسرعة غير مسبوقة.
ذلك الجهاز كان الجد الأول للكمبيوتر.
وبعد الحرب، تم تطوير فكرته إلى حواسيب ضخمة تُستخدم للبحث والعلوم، ثم صغرت شيئًا فشيئًا حتى أصبحت في جيب كل إنسان.

الطاقة النووية: لعنة ونور

سباق التسلح النووي بين أمريكا وألمانيا واليابان أفرز أعظم قوة عرفها الإنسان — الانشطار الذري.
لكن بينما استخدمت القنابل لتدمير هيروشيما وناغازاكي، استخدم العلماء نفس المبدأ لاحقًا لتوليد الكهرباء وإنقاذ ملايين البشر من الظلام.
إنها مفارقة التاريخ: ما كان رمزًا للفناء أصبح رمزًا للطاقة النظيفة.


الفصل الثالث: الحرب الباردة — ولادة الفضاء والإنترنت

الحرب الباردة

الحرب الباردة — ولادة الفضاء والإنترنت


انتهت الحرب العالمية الثانية لتبدأ حرب من نوعٍ آخر: الحرب الباردة.
لم تكن معاركها بالبنادق، بل بالعقول، والمعادلات، والتكنولوجيا.
في هذا الصراع، لم يكن الهدف قتل العدو… بل تجاوزه علميًا.

سباق الفضاء: من الصواريخ إلى الأقمار الصناعية

عندما أطلق الاتحاد السوفيتي القمر الصناعي سبوتنيك عام 1957، شعرت أمريكا بالصدمة.
لم يعد الصراع في الأرض فقط، بل صعد إلى السماء.
بدأ سباق فضائي محموم أدى إلى تطوير الصواريخ، وأنظمة الملاحة، وتقنيات الاتصال عن بُعد.
ومن رحم هذا السباق وُلدت فكرة الأقمار الصناعية التي أصبحت فيما بعد العمود الفقري للاتصالات الحديثة، ومن خلالها وُلد الـ GPS.

ARPANET: البذرة الأولى للإنترنت

في ستينيات القرن الماضي، كان الخوف من هجوم نووي يدفع العلماء الأمريكيين للبحث عن وسيلة تضمن استمرار الاتصال بين المراكز العسكرية حتى لو دُمّر بعضها.
الحل كان إنشاء شبكة لا مركزية اسمها ARPANET.
كانت فكرة بسيطة: كل حاسوب متصل يمكنه التواصل مع الآخرين مباشرة، دون مركزٍ واحد يتحكم بكل شيء.
لم يعلم أحد حينها أن هذه الشبكة العسكرية الصغيرة ستنمو لتصبح ما نعرفه اليوم باسم الإنترنت.


الفصل الرابع: من الحرب إلى البيت — الإنترنت يدخل الحياة اليومية

من الحرب إلى البيت
من الحرب إلى البيت — الإنترنت يدخل الحياة اليومية

في الثمانينيات، بدأت ARPANET تفتح أبوابها للجامعات، ثم للباحثين، ثم شيئًا فشيئًا للعالم المدني.
وفي التسعينيات، ظهر متصفح Mosaic ثم Netscape، لتبدأ ثورة الويب.

من البريد العسكري إلى البريد الإلكتروني

أول رسالة إلكترونية في التاريخ أُرسلت سنة 1971 بواسطة المهندس راي توملينسون، بين جهازين متصلين عبر ARPANET.
استخدم رمزًا جديدًا للفصل بين اسم المستخدم والجهاز: @.
هذا الرمز الذي وُلد في مختبر عسكري أصبح اليوم علامة التواصل بين مليارات البشر.

الويب والمواقع الأولى

مع قدوم تيم بيرنرز لي عام 1989، تم بناء أول موقع ويب في التاريخ.
الإنترنت تحوّل من شبكة مغلقة إلى عالم مفتوح.
ثم جاءت المنتديات، والمدونات، فمحركات البحث مثل “ياهو” و“غوغل”، لتبدأ مرحلة الانفجار الرقمي.


الفصل الخامس: السوشيال ميديا — من التواصل إلى السيطرة

السوشيال ميديا
السوشيال ميديا — من التواصل إلى السيطرة

في بدايات القرن الحادي والعشرين، وُلدت الشبكات الاجتماعية.
بدأت بفكرة لطيفة: أن يتواصل الناس بسهولة.
لكن سرعان ما تحولت إلى إمبراطوريات تتحكم في الرأي العام والاقتصاد وحتى السياسة.

من MySpace إلى TikTok

بدأ المشهد بمواقع مثل MySpace وFriendster، ثم جاء Facebook الذي غيّر مفهوم “الهوية الرقمية”.
ثم YouTube الذي جعل العالم منصة مفتوحة لصناعة المحتوى.
ثم Twitter الذي جعل الكلمة سلاحًا.
وأخيرًا TikTok الذي دمج العالم كله في شاشة واحدة تُدار بإبهامك.
كل هذه التطبيقات تدين بوجودها لتقنية واحدة: الإنترنت الذي وُلد من رحم الحرب.


الفصل السادس: الإنترنت... سلاح جديد في يد الإنسان

الإنترنت

الإنترنت... سلاح جديد في يد الإنسان


في مفارقة التاريخ الكبرى، عاد الإنترنت — الذي وُلد لأجل الحماية العسكرية — ليُستخدم كسلاح في الحروب الحديثة.
الحروب لم تعد تحتاج إلى صواريخ، بل إلى هاكر يجلس خلف شاشة.
من سرقة بيانات، إلى تعطيل شبكات الكهرباء، إلى نشر الشائعات لتفكيك المجتمعات، أصبح الإنترنت ساحة حرب رقمية لا تقل خطورة عن ميادين القتال.

لكن رغم هذا الوجه المظلم، لا يمكن إنكار أن الإنترنت فتح أمام البشرية أبوابًا من المعرفة والتواصل لم يكن أحد يتخيلها.
في ثوانٍ، يمكنك أن تتحدث مع شخص في أقصى الأرض، أو تتعلم مهارة جديدة، أو تبني مشروعًا يغيّر حياتك.
إنه السلاح الذي اخترعه الإنسان ضد نفسه، ثم وجده أعظم حليف له.


الخاتمة: حين تُنبت الحرب زهرة التكنولوجيا

حين تُنبت الحرب زهرة التكنولوجيا

إذا تأملنا مسيرة التكنولوجيا منذ قرن، سنجد خيطًا واحدًا يجمعها:
كل حربٍ، مهما كانت مدمّرة، أنجبت فكرة غيّرت شكل الحضارة.
من ساعة اليد التي رافقت الجندي في الخندق، إلى الهاتف الذكي الذي ننام بجانبه اليوم — كلها أبناء صراعٍ قديم بين البقاء والفناء.

الحرب كانت “أم الاختراعات” بحق،
لكن الإنترنت كان ابنها الأعظم،
ابنٌ خرج من رحم الخوف ليصبح لغة الأمل،
ومن رماد القنابل وُلدت شبكة تربط العالم، لا لتفجّره، بل لتجعله أقرب.

إرسال تعليق

اكتب اي تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال